‏إظهار الرسائل ذات التسميات الزور. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الزور. إظهار كافة الرسائل
الأحد، 26 مايو 2013

اتق المحارم تكن أعبد الناس

اتق المحارم تكن أعبد الناس




عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من يأخذ عني هؤلاء الكلمات فيعمل بهن أو يعلمهن من يعمل بهن؟)، فقال أبو هريرة: فقلت أنا يا رسول الله، فأخذ بيدي فعدّ خمسا، وقال: (اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنا، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما، ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب) رواه أحمد والترمذي وحسنه الألباني.

شرح الحديث

لازم أبو هريرة رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم ملازمة تامة، وصاحبه في حله وترحاله؛ ولذا نقل كثيرا من الأحاديث النبوية الجليلة الهامة، التي تحتوي على توجيهات ووصايا عظيمة.
وفي الحديث الذي نحن بصدد شرحه: كان النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس مع أصحابه رضوان الله عليهم فقال: (من يأخذ عني هؤلاء الكلمات فيعمل بهن أو يعلِّمهن من يعمل بهن؟)، فقال أبو هريرة: فقلت أنا يا رسول الله، فأخذ بيدي - إشعاراً بالاهتمام وعظم الوصية - فعدّ خمسا، أي ذكر خمس خصال، سنقف مع كل خصلة منها وقفة.

الخصلة الأولى: اتقاء المحارم

(اتق المحارم تكن أعبد الناس): المحارم تشمل جميع المحرمات من فعل المنهيات وترك المأمورات التي جاء ذكرها في كتاب الله تعالى وفي سنة نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم، كالشرك وقتل النفس والسرقة والزنا والنميمة والكذب والخيانة وقول الزور وأكل الربا وعقوق الوالدين وقطع الرحم وشرب الخمر والسحر وغيرها، ولعل التعبير بالاتقاء اعتناء لجانب الاحتماء على قاعدة الحكماء في معالجة الداء بالدواء.
فإذا اجتنب المرء جميع ما نهى الله عنه ارتقى إلى أعلى مراتب العبودية، لكونه جاهد نفسه على ترك الحرام، قالت عائشة رضي الله عنها موضحة ذلك المعنى: "من سره أن يسبق الدائب المجتهد فليكف عن الذنوب"، وقال الحسن البصري: "ما عبد العابدون بشيء أفضل من ترك ما نهاهم الله عنه"، ولكن ينبغي أن يُعلم أن المقصود من تفضيل ترك المحرمات على فعل الطاعات، إنما أريد به نوافل الطاعات، وإلا فجنس الأعمال الواجبات أفضل من جنس ترك المحرمات، لأن الأعمال مقصودة لذاتها، والمحارم المطلوب عدمها، ولذلك لا تحتاج إلى نية بخلاف الأعمال، كما ذكر ذلك الإمام ابن رجب رحمه الله.

الخصلة الثانية: الرضا بما قسم الله

(وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس): السعيد الحق هو من رضي بما قسم الله له, وصبر لمواقع القضاء خيره وشره, والرضا هو السياج الذي يحمي المسلم من تقلبات الزمن, وهو البستان الوارف الظلال الذي يأوي إليه المؤمن من هجير الحياة، وهو الغنى الحقيقي؛ لأن كثيرا من الناس لديهم حظ من الدنيا، لكنهم فقراء النفس ومساكين القلب, فقد أعمى الطمع قلوبهم عن مصدر السعادة والغنى الحقيقي, الذي هو غنى القلب والرضا وسكينة النفس، قال تعالى: {يوم لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيم} (الشعراء: 88-89)، فالقلب السليم هو القلب المطمئن الذي رضي بما قسم الله له واطمأن بذكر الله, قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} (الرعد: 28)، وما أحسن قول الشاعر:
وغنى النفوس هو الكفاف فإن أبت فجميع ما في الأرض لا يكفيها.
والحاصل أن من قنع بما قسم له ولم يطمع فيما في أيدي الناس اسْتغنى عنهم، فالقناعة غنى وعز بالله، وضدها فقر وذل للغير، ومن لم يقنع لم يشبع أبدا، ففي القناعة العز والغنى والحرية، وفي فقدها الذل والتعبد للغير.

الخصلة الثالثة: الإحسان إلى الجار

(وأحسن إلى جارك تكن مؤمنا): جعل النبي صلى الله عليه وسلم الإحسان إلى الجار من علامات الايمان، ويكون الإحسان إلى الجار بأمور كثيرة، منها: رد السلام عليه وإجابة دعوته، وكف الأذى عنه وتحمل أذاه، وتفقده وقضاء حوائجه، وستره وصيانة عرضه، والنصح له.

والجيران ثلاثة: جار قريب مسلم؛ فله حق الجوار والقرابة والإسلام، وجار مسلم غريب؛ فله حق الجوار والإسلام، وجار كافر؛ فله حق الجوار، وإن كان قريباً فله حق القرابة أيضاً.

وقد ظل جبريل عليه السلام يوصي النبي صلى الله عليه وسلم بالجار حتى ظنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أن الشرع سيأتي بتوريث الجار, فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِى بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ) متفق عليه.

الخصلة الرابعة: أحب للناس ما تحب لنفسك

(وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما): من كمال الإسلام أن تحب للناس حصول ما تحبه لنفسك، وحب الخير للناس خلق إسلامي أصيل ينبغي أن يتحلى به كل مسلم، ولم ينص على أن يبغض لأخيه ما يبغض لنفسه؛ لأن حب الشيء مستلزم لبغض نقيضه.

الخصلة الخامسة: لا تكثر الضحك

(ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب): الضحك من خصائص الإنسان فالحيوانات لا تضحك؛ لأن الضحك يأتي بعد نوع من الفهم والمعرفة لقول يسمعه، أو موقف يراه فيضحك منه، وكثرة الضحك تورث ظلمة في القلب وموتا له.
والإسلام - بوصفه دين الفطرة - لا يتصور منه أن يصادر نزوع الإنسان الفطري إلي الضحك والانبساط، بل هو علي العكس يرحب بكل ما يجعل الحياة باسمة طيبة، ويحب للمسلم أن تكون شخصيته متفائلة باشة، ويكره الشخصية المكتئبة المتطيرة، التي لا تنظر إلي الحياة والناس إلا من خلال منظار قاتم أسود.
وأسوة المسلمين في ذلك رسول الله صلي الله عليه وسلم فقد كان - برغم همومه الكثيرة والمتنوعة - يمزح ولا يقول إلا حقًا، ويحيا مع أصحابه حياة فطرية عادية، يشاركهم في ضحكهم ولعبهم ومزاحهم، كما يشاركهم آلامهم وأحزانهم ومصائبهم.
ولذا فإن المنهي عنه في هذا الحديث ليس مجرد الضحك، بل كثرته، فليس الضحك منهي عنه لذاته ولكن لما يمكن أن يؤدي إلى نتائج وأخلاق لا يرضاها الإسلام، وكل شيء خرج عن حده انقلب إلي ضده.

المصدر اسلام ويب

الأحد، 5 مايو 2013

شهادة الزُّور وخطرها


 
شهادة الزُّور وخطرها

رُويَ أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بينما هو جالس بين أصحابه يومًا إذ به يقول لهم: ''ألاَ أُنبِّئُكم بأكبر الكبائر؟'' فقالوا: بلى يا رسول اللّه، قال: ''الإشراك باللّه، وعقوق الوالدين''، وكان مُتّكِئًا فجلس ثمّ قال: ''ألاَ وشهادة الزُّور وقول الزُّور'' ، فما زال يُكرّرها حتّى قلنا: ليتَه سكت.
 إنّ شهادة الزّور من أفحش الأقوال، وأقبح الأفعال، وأخطر الظواهر على المجتمعات والأفراد، فكم بها -ظُلْمًا- أكِلَت أموال النّاس، وانتُزِعَت أملاك، وانتهبت حقوق، كم بريء بسببها متهم، كم بها زوّرَت قضايا، وظُلِم ناس.
فعن أنس بن مالك رضي اللّه عنه قال: ذكر رسول اللّه الكبائر فقال: ''الشِّرك باللّه، وعقوق الوالدين وقتل النّفس''، وقال: ''ألاَ أُنَبِّئُكم بأكبر الكبائر؟ قول الزّور''، أو قال ''شهادة الزّور''. قال اللّه عزّ وجلّ: ''واجتَنِبوا قول الزّور''. وقال تعالى في وصف عباد الرّحمان: ''والّذِينَ لا يَشْهَدُون الزُّور''.
وشهادة الزّور هي أن يشهَد الرجل بخلاف ما يَعلم، أو يشهَد بما لا يعلم، فكلّ هذا حرام، فلا يحلّ للإنسان أن يشهد إلاّ بما علم على الوجه الّذي علمه، لا يغيّر فيه شيئًا.
وشهادة الزّور لا تقتصر على المحاكم فحسب، بل إنّ أماكن وجودها منتشرة في الإدارات والأسواق وغيرها من الأماكن. فمن صورها أن تشهد في المحكمة في قضية ما وأنتَ لا تعلم، وقد رأينا أناسًا كثيرين يجلسون أمام المحاكم ويعرضون أنفسهم، أو يقدّمون أنفسهم، على أنّهم شهود مقابل مبلغ مالي، فليعلم هِؤلاء أنّهم قد أتوا بكبيرة من الكبائر ألاَ وهي قول الزّور، وأنّهم أكلوا السُّحت بذلك المال. فأين خوف هؤلاء من اللّه وخشيتهم من عذابه وعقابه، {فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثان واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزّور}.
ومن صور شهادة الزُّور ما يحصل في دار البلدية عند استخراج الوثائق، فقد يشهد شخص لشخص آخر بأنّه لا يعمَل، أو أنّ أباه لا يعمَل ولا يمارس أيّ مِهنة، وغيرها من الشّهادات، وهو لا يعلَم أصلاً هل يعمَل هذا الرّجل أم لا يعمَل، بل أحيانًا لا يعرف الرّجل الّذي يشهد له من هو ومن يكون، يفعل ذلك وهو يظن أنّه نافع لأخيه والواقع أنّه ظالم لنفسه وظالم لأخيه، ظالم لنفسه لأنّه آثِم وأتى بكبيرة من الكبائر وهي شهادة الزّور، وظالم لأخيه لأنّه أعطاهُ ما لا يستحقّه، وأعانه على التّزوير.
كما إنّ من أظهر الشّهادة زورًا قد ارتكب كبيرة من الكبائر، فكذلك مَن كتمها وهو يعلمها لغرض من الأغراض، قال تعالى: {ولا تكتُموا الشّهادة، ومَن يكتمها فإنّه آثِمٌ قلبُه، واللّه بما تعمَلون عليم}، وقال عزّ وجلّ: {ومَن أظْلَمُ ممّن كتَمَ شهادة عندَهُ مِن اللّه وما اللّهُ بغافِلٍ عمّا تعمَلُون}.
قال الإمام الذهبي رحمه اللّه في كتابه ''الكبائر'': شاهد الزُّور قد ارتكب عظائم: الكذب والافتراء، قال تعالى: {إنّ اللّهَ لا يَهْدي مَن هُو مُسْرِف كذَّاب}. وأنّه ظَلَمَ الّذي شهد عليه حتّى أخذ بشهادته ماله وعرضه. وأنّه ظَلَمَ الّذي شهد له بأن ساق إليه المال الحرام، فأخذه بشهادته، وهذا دليل على عظم شهادة الزُّور.
وكما حذَّر المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم من شهادة الزُّور فقد حذَّرَ من قول الزّور، وهو شامل لكلّ قول وفعل خرج فيه صاحبه عن الحقّ إلى الباطل، من غيبة، ونميمة، وكذب وقذف، ولعَنَ وشتم وفحش قول، وبذاءة لسان، والقول على اللّه بغير عِلم، وغير ذلك من أمراض اللِّسان.
فلابدّ لنا أن نُعالِج أنفسنا، وذلك بمعرفة عظمة اللّه وأسمائه وصفاته، إذ إنّ في تعظيم اللّه سبحانه تعظيما لحرماته. وأيضًا الإكثار من قراءة القرآن وذِكْر اللّه {ألاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوب}، {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِين}.. ألاَ فلنتّقِ اللّه عباد اللّه، ولنَحذَر من هذه الشّهادة، ولا نشهد في شيء إلاّ إذا كان واضحًا كالشّمس في منتصف النّهار.
* إمام مسجد أول نوفمبر
فوكة - تيبازة