‏إظهار الرسائل ذات التسميات الجليس الصالح. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الجليس الصالح. إظهار كافة الرسائل
الأحد، 26 مايو 2013

اتق المحارم تكن أعبد الناس

اتق المحارم تكن أعبد الناس




عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من يأخذ عني هؤلاء الكلمات فيعمل بهن أو يعلمهن من يعمل بهن؟)، فقال أبو هريرة: فقلت أنا يا رسول الله، فأخذ بيدي فعدّ خمسا، وقال: (اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنا، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما، ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب) رواه أحمد والترمذي وحسنه الألباني.

شرح الحديث

لازم أبو هريرة رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم ملازمة تامة، وصاحبه في حله وترحاله؛ ولذا نقل كثيرا من الأحاديث النبوية الجليلة الهامة، التي تحتوي على توجيهات ووصايا عظيمة.
وفي الحديث الذي نحن بصدد شرحه: كان النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس مع أصحابه رضوان الله عليهم فقال: (من يأخذ عني هؤلاء الكلمات فيعمل بهن أو يعلِّمهن من يعمل بهن؟)، فقال أبو هريرة: فقلت أنا يا رسول الله، فأخذ بيدي - إشعاراً بالاهتمام وعظم الوصية - فعدّ خمسا، أي ذكر خمس خصال، سنقف مع كل خصلة منها وقفة.

الخصلة الأولى: اتقاء المحارم

(اتق المحارم تكن أعبد الناس): المحارم تشمل جميع المحرمات من فعل المنهيات وترك المأمورات التي جاء ذكرها في كتاب الله تعالى وفي سنة نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم، كالشرك وقتل النفس والسرقة والزنا والنميمة والكذب والخيانة وقول الزور وأكل الربا وعقوق الوالدين وقطع الرحم وشرب الخمر والسحر وغيرها، ولعل التعبير بالاتقاء اعتناء لجانب الاحتماء على قاعدة الحكماء في معالجة الداء بالدواء.
فإذا اجتنب المرء جميع ما نهى الله عنه ارتقى إلى أعلى مراتب العبودية، لكونه جاهد نفسه على ترك الحرام، قالت عائشة رضي الله عنها موضحة ذلك المعنى: "من سره أن يسبق الدائب المجتهد فليكف عن الذنوب"، وقال الحسن البصري: "ما عبد العابدون بشيء أفضل من ترك ما نهاهم الله عنه"، ولكن ينبغي أن يُعلم أن المقصود من تفضيل ترك المحرمات على فعل الطاعات، إنما أريد به نوافل الطاعات، وإلا فجنس الأعمال الواجبات أفضل من جنس ترك المحرمات، لأن الأعمال مقصودة لذاتها، والمحارم المطلوب عدمها، ولذلك لا تحتاج إلى نية بخلاف الأعمال، كما ذكر ذلك الإمام ابن رجب رحمه الله.

الخصلة الثانية: الرضا بما قسم الله

(وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس): السعيد الحق هو من رضي بما قسم الله له, وصبر لمواقع القضاء خيره وشره, والرضا هو السياج الذي يحمي المسلم من تقلبات الزمن, وهو البستان الوارف الظلال الذي يأوي إليه المؤمن من هجير الحياة، وهو الغنى الحقيقي؛ لأن كثيرا من الناس لديهم حظ من الدنيا، لكنهم فقراء النفس ومساكين القلب, فقد أعمى الطمع قلوبهم عن مصدر السعادة والغنى الحقيقي, الذي هو غنى القلب والرضا وسكينة النفس، قال تعالى: {يوم لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيم} (الشعراء: 88-89)، فالقلب السليم هو القلب المطمئن الذي رضي بما قسم الله له واطمأن بذكر الله, قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} (الرعد: 28)، وما أحسن قول الشاعر:
وغنى النفوس هو الكفاف فإن أبت فجميع ما في الأرض لا يكفيها.
والحاصل أن من قنع بما قسم له ولم يطمع فيما في أيدي الناس اسْتغنى عنهم، فالقناعة غنى وعز بالله، وضدها فقر وذل للغير، ومن لم يقنع لم يشبع أبدا، ففي القناعة العز والغنى والحرية، وفي فقدها الذل والتعبد للغير.

الخصلة الثالثة: الإحسان إلى الجار

(وأحسن إلى جارك تكن مؤمنا): جعل النبي صلى الله عليه وسلم الإحسان إلى الجار من علامات الايمان، ويكون الإحسان إلى الجار بأمور كثيرة، منها: رد السلام عليه وإجابة دعوته، وكف الأذى عنه وتحمل أذاه، وتفقده وقضاء حوائجه، وستره وصيانة عرضه، والنصح له.

والجيران ثلاثة: جار قريب مسلم؛ فله حق الجوار والقرابة والإسلام، وجار مسلم غريب؛ فله حق الجوار والإسلام، وجار كافر؛ فله حق الجوار، وإن كان قريباً فله حق القرابة أيضاً.

وقد ظل جبريل عليه السلام يوصي النبي صلى الله عليه وسلم بالجار حتى ظنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أن الشرع سيأتي بتوريث الجار, فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِى بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ) متفق عليه.

الخصلة الرابعة: أحب للناس ما تحب لنفسك

(وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما): من كمال الإسلام أن تحب للناس حصول ما تحبه لنفسك، وحب الخير للناس خلق إسلامي أصيل ينبغي أن يتحلى به كل مسلم، ولم ينص على أن يبغض لأخيه ما يبغض لنفسه؛ لأن حب الشيء مستلزم لبغض نقيضه.

الخصلة الخامسة: لا تكثر الضحك

(ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب): الضحك من خصائص الإنسان فالحيوانات لا تضحك؛ لأن الضحك يأتي بعد نوع من الفهم والمعرفة لقول يسمعه، أو موقف يراه فيضحك منه، وكثرة الضحك تورث ظلمة في القلب وموتا له.
والإسلام - بوصفه دين الفطرة - لا يتصور منه أن يصادر نزوع الإنسان الفطري إلي الضحك والانبساط، بل هو علي العكس يرحب بكل ما يجعل الحياة باسمة طيبة، ويحب للمسلم أن تكون شخصيته متفائلة باشة، ويكره الشخصية المكتئبة المتطيرة، التي لا تنظر إلي الحياة والناس إلا من خلال منظار قاتم أسود.
وأسوة المسلمين في ذلك رسول الله صلي الله عليه وسلم فقد كان - برغم همومه الكثيرة والمتنوعة - يمزح ولا يقول إلا حقًا، ويحيا مع أصحابه حياة فطرية عادية، يشاركهم في ضحكهم ولعبهم ومزاحهم، كما يشاركهم آلامهم وأحزانهم ومصائبهم.
ولذا فإن المنهي عنه في هذا الحديث ليس مجرد الضحك، بل كثرته، فليس الضحك منهي عنه لذاته ولكن لما يمكن أن يؤدي إلى نتائج وأخلاق لا يرضاها الإسلام، وكل شيء خرج عن حده انقلب إلي ضده.

المصدر اسلام ويب

الخميس، 16 مايو 2013

المقومات الحسان.. في اختيار الأصحاب والخلان


المقومات الحسان.. في اختيار الأصحاب والخلان


لا يستغني عاقل في حياته عن مصادقة ومصاحبة أو مؤاخاة ومخاللة، وقد عُرفت الصداقة منذ القدم، وكتب عنها كل ذي رأي وقلم، وأعلن عن أهميتها كل ذي فكر.
فمما رسخ عند الخاصة والعامة أن الصاحب ساحب، ويكفي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل".
وقال بعض الشعراء:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه .. فكل قرين بالمقارن يقتدي
وأثر الصحبة لا ينتهي في الدنيا، وإنما هو مستمر في الآخرة... بهذا نطق الكتاب والسنة، قال تعالى: {الأَخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ} فهذا في الصالحة.. وفي الصحبة الأخرى قال: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا (27) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولا}.
فإذا كان للصداقة والصحبة كل هذه الأهمية وذاك الأثر، كان حريا بالعاقل أن يولي الاختيار أولى همه.

والسؤال: هو كيف يختار الإنسان صاحبه؟والجواب: هو أن تجيب أولا عن هذا السؤال: لماذا تريد الصديق؟..
فإن مرادك منه هو الذي سيحدد كيفية اختياره؛ فإن الصحبة وصفات الصاحب تختلف باختلاف الغرض منها، والأصدقاء أنواع وأقسام ـ كما قال المأمون: "الإخوان على ثلاث طبقات: فإخوان كالغذاء لا يستغنى عنهم أبدا، وهم إخوان الصّفاء، وإخوان كالدواء يحتاج إليهم في بعض الأوقات، وهم الفقهاء، وإخوان كالدّاء لا يحتاج إليهم أبدا، وهم أهل الملق والنفاق لا خير فيهم".
فعلى حسب مرادك من الصديق تتحدد معالم اختباره واختياره.. فصاحب الدنيا ليس كصاحب الآخرة، وصديق المرح ليس كصديق السفر، وزميل الدراسة ليس كزميل العمل، وصاحب السعة ليس كمن يعد لوقت الحاجة والضيق.

مقومات أساسيةعلى أن كل صديق مهما كان سبب صحبته أو علة صداقته لا بد وأن تتوفر فيه أمور:
1- الدين:وقد جاء بذلك الحديث الشريف الذي رواه احمد وأبو داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري أنه سمع سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: [لا تصحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي].
فلابد أن يكون الصديق ذا دين وتقى؛ لأن مخالطة غير التقي تخل بالدين، وتنقص المروءة، وتوقع في الشبه والمحظور، ولا تخلو عن فساد بمتابعة فعل، أو غض طرف عن منكر، ثم هي مدعاة للتشبه فإن الطباع سراقة والجبلة تحمل على الاقتداء والتأسي، وهذا شيء معلوم بالضرورة .. حتى قال بعضهم: "ما شيء أسرع من فساد رجل وصلاحه من صاحبه، ويظن بالمرء ما يظن بقرينه".
وقال الشاعر:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه .. .. فكل قرين بالمقارن يقتدي
إذا كنت في قوم فصاحب خيارهم .. .. ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي
والمؤمن يزينك ولا يشينك، وينصحك ولا يخدعك، ويصارحك ولا يداهنك، وينصرك ولا يخذلك، ويخشى على دينك كما يخشى على دين نفسه، ويحب لك ما يحب لنفسه، فصاحب الدين عدة عند البلاء، وزينة عند الرخاء، قال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا}.

2- العقل:فإن العقل الموفور يهدي إلى مراشد الأمور، ومعاداة العاقل خير من مصادقة الأحمق، فإنه من حمقه .. ربما أراد نفعا فأضر.. قال علي: لا تصحب الأحمق فإنه يجهد نفسه لك ولا ينفعك، وربما ضرك من حيث أراد نفعك، سكوته خير من نطقه، وبعده خير من قربه، وموته خير من حياته.
وفي النهاية لا تثبت مع الحمق مودة، ولا تدوم لصاحبه معه صحبة.
قال بعض الشعراء:
المرء يجمع والزمان يفرق .. .. ويظل يرقع والخطوب تمزق
ولأن يعادي عاقلا خير له .. .. من أن يكون له صديق أحمق
فاربأ بنفسك أن تصاحب أحمقا ..إن الصديق على الصديق مصدق
.

وفي قصة الدب الذي قتل صاحبه ما ينهى عن طلب الصداقة، عند أولي الحماقة، إذ كان فعل الدب هذا لفرط حب.
وإن العقل ليس له إذا ما .. .. تفاضلت الفضائل من كفاء.
3- الصدق: ويراد به صدق المودة كما يراد به صدق الحديث، وأعني به هنا الثاني، فإنه لازم لكل صداقة عظمت أو جلت، وطالت أم قصرت، فإن الكذاب مثل السراب، يلمع ولا ينفع، يقرب البعيد، ويبعد القريب..
ومن كلام الأدباء العلماء النجباء
لم ير في القبائح .. وجملة الفضائح
كالكذب أوهى سببا ولا أضل مذهبا
ولا أعز طالبا ولا أذل صاحبا
وقد خطب أبو بكر يوما فقال: "ألا إن الصدق و البر في الجنة، ألا إن الكذب والفجور في النار"... وأحسن من كل هذا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا].
4- الإنصاف: وهو من أعز أخلاق البشر على جلالته، وأقلها وجودا مع عظم الحاجة إليه وأهميته، وهو خلق لا زم في كل صحبة، لأن الصداقة قد تنفصم عراها، أو يصيبها من الأحداث ما يعكر صفوها، فيأتي دور الإنصاف ليرتق منها ما انفتق، فالإنصاف يحمل على العدل عند الائتلاف والاختلاف... وقد روى البزار عن نبينا المختار: [ثلاث من الإيمان: الإنفاق من الإقتار، وبذل السلام للعالم، والإنصاف من نفسه]. وهذا أعز الإنصاف.. قال تعالى: {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا}.
 وصاحب الإنصاف إذا وافق وأحب لم يكذب ولم يداهن، وإذا خالف وأبغض لم يظلم في حكم ولم يفجر في خصومة.. فهو نافع في كل وقت. وأما غير المنصف فكما قال الشاعر:
وإخوان حسبتهم دروعا .. فكانوها ولكن للأعادي
وخلتهم سهاما صائبات .. فكانوها ولكن في فؤادي
وقالوا قد صفت منا قلوب .. لقد صدقوا ولكن عن ودادي.
5- الرغبة في صحبتك:والرضا بصداقتك، والغبطة من محبتك، فإن محبة من لا يحبك حماقة، وطلب الود عند من لا يودك طعن في عقلك... فمثل هذا لا تقوم به صحبة، ولا تستمر معه صداقة ولا مودة.
ومن الشقاوة أن تحب .. ومن تحب يحب غيرك
أو أن تسير لوصل من .. لا يشتهي للوصل سيرك
أو أن تريد الخير للـ .. إنسان وهو يريد ضيرك
سيـان إن أولـيته .. خيرا وإن أمسكت خيرك.
6- حسن الخلق:
والمقصود هنا عموم مكارم الأخلاق بعد أن خصصنا المهم في رأينا، فلابد أن يكون الصديق محمود الأخلاق مرضي الأفعال، مؤثرا للخير آمرا به، كارها للشر ناهيا عنه؛ فإن مودة الشرير تكسب الأعداء وتفسد الأخلاق، ولا خير في مودة تجلب عداوة وتورث مذمة، والسيئ الخلق الناس منه في بلاء، ونفسه منه في عناء.
قال ابن المعتز: إخوان الشر كشجر النارنج يحرق بعضها بعضا.. وقال غيره: صحبة الأشرار تورث سوء الظن بالأخيار، ومن خير الاختيار صحبة الأخيار، ومن شر الاختيار صحبة الأشرار، ولا شيء أضيع من مودة من لا وفاء له واصطناع المعروف عند من لا شكر له.
احــذر مودة مـــاذق .... شاب المرارة بالحلاوة
يحصي الذنوب عليك أيـ .. ـام الصداقة للعداوة
7 ـ المشاكلة والموافقة:وثمة أمر آخر غاية في الأهمية.. ألا وهو
 فلما كان الناس مختلفين في عقولهم وطبائعهم وأخلاقهم وأهدافهم كان لابد لمن أراد أن يصاحب أن يتلمس من يناسبه ويشاكله؛ فإن التجانس أصل الإخاء وقاعدة الائتلاف، يزيد بزيادته وينقص بنقصانه ـ كما قال الماوردي رحمه الله.. ودليل ذلك حديث عائشة رضي الله عنها في صحيح البخاري قال عليه الصلاة والسلام: [الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف].
والصاحب للصاحب كالرقعة في الثوب، إن لم تكن منه شانته.
وما صاحب الإنسان إلا كرقعة .. على ثوبه فليتخذه مشاكلاوقيل أيضا:
ولا يصحب الإنسان إلا نظيره .. وإن لم يكونا من قبيل ولا بلد
فإذا أردت أن تصطفي من الناس خلا، فاصحب من توفر فيه ما سبق، فإن زاد حسنا فليكن ما نصح به علقمة بن لبيد العطاردي ابنه فقال: "يابني إن عرضت لك في صحبة الرجال حاجة، فاصحب من إذا صحبته زانك، وإذا خدمته صانك، وإن قعد بك الزمان مانك، اصحب من إذا مددت يدك بفضل مدها، وإن رأى منك حسنة عدها، وإن رأى سيئة سترها، أو خلة سدها، اصحب من إذا سألته أعطاك وإذا سكت ابتداك، وإن نزلت بك نازلة واساك، اصحب من إذا قلت صدق قولك، وإن حاولت أمرا آمرك، وإن تنازعتما يوما آثرك".
فإن حصلت هذا فاشدد يديك به، وإلا فقل على الصحبة السلام.

المصدر  إسلام ويب

كيف نثقل ميزان حسناتنا

كيف نثقل ميزان حسناتنا


إن الله تعالى خلقنا في هذه الحياة ليبلونا أينا أحسن عملا، وحسن العمل إنما تكون ثمرته بثقل الموازين التي يزن الله بها أعمالنا بميزان الحق والعدل والقسط يوم القيامة: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين}.. فيزن الله حسنات العبد وسيئاته {فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون}، {فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون فمن خفت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون}، {فمن ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية ومن خفت موازينه فأمه هاوية وما أدراك ماهيه نار حامية}.

فإذا كان الأمر كذلك وجب على كل ذي عقل أن يتفكر فيما يثقل به موازين الخير لديه خصوصا وأعمار هذه الأمة قصيرة بالنسبة للأمم قبلها كما قال عليه الصلاة والسلام: [أعمار أمتي بين الستين إلى السبعين وأقلهم من يجوز ذلك](رواه الترمذي وهو حسن).

فإذا تفحصت في ستين سنة يعيشها المرء تجدها لا يصفو منها للعمل الحقيقي إلا ثلثها أو ربعها؛ فهو ينام ثلثها، ويعيش خمسة عشر عاما طفولة ومراهقة دون تكليف، ويأكل ويقضي حاجته في سنتين تقريبا.. والباقي منه يعمل قرابة ثلثه فلا يبقى إلا نحوا من خمسة عشر إلى سبعة عشر عاما... 

أربعة تثقل الميزان:والسؤال.. كيف يثقل المسلم ميزانه في هذا العمر القليل؛ ليتفادى ذلك الموقف الرهيب في هذا اليوم العصيب؟
هناك أربعة أمور ينبغي الحرص عليها: 
أولها: الحرص على الأعمال التي تطيل العمر وتبارك فيه:وهل الأعمار تطول؟.. نعم.. قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك عندما قال: [صِلَةَ الرَّحِمِ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ، وَحُسْنُ الْجِوَارِ، يَعْمُرنِ الدِّيَار، وَيَزِدَنِ فِي الأَعْمَار](صحيح الجامع).
وفي الحديث المتفق عليه: [مَن أحبَّ أن يبسُطَ لَه في رزقِه، ويُنسَأَ لَه في أثَرِه، فليَصِلْ رَحِمَهُ].
وقد فسر العلماء زيادة العمر بمعنيين: فمنهم من يري أن هذه الإطالة حقيقية بالأيام والشهور والسنين، ومنهم من يقول: هي البركة في عمره، بالتوفيق للطاعات، والبعد عن المعاصي والسيئات، والعمل في الزمن القصير ما لا يعمله غيره إلا في الزمن الكثير. 
وأيا ما كان الأمر فنحن أحوج ما نكون إلى التوفيق للطاعة وتيسير سبلها وفتح أبوابها، والعصمة عن المعصية، والصيانة منها والبعد عنها..

ثانيا: الحرص على الأعمال التي تهدم الذنوب وتحط الخطايا:وإن كان الأصل ترك الذنوب والمعاصي، والفرار منها.. لكن لما كان كل ابن آدم خطاء ـ هكذا جبل وعليه طبع ـ كان لا بد من العمل على محو أثر تلك الذنوب حتى تخلو كفة السيئات أو تخف قدر الإمكان، وإنما يكون ذلك بأمور.. منها:
التوبة: فإنها تجب ما قبلها، ومن تاب تاب الله عليه، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، والتائب حبيب الرحمن.. فتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون.

الاستغفار: فإنه هادم للسيئات كما قال نوح لقومه: {استغفروا ربكم إنه كان غفارا}، وقال نبينا عليه الصلاة والسلام: [من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، غفر له وإن كان قد فر من الزحف](حديث حسن).. وقد قيد في بعض الروايات بثلاث مرات، وفي بعضها بقوله دبر الصلوات.

الحج والعمرة: ففي الحديث المتفق عليه: [من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه]، وقال عليه الصلاة والسلام: [تَابِعُوا بين الحجِّ والعمرةِ، فإنَّهما ينفيانِ الفقرَ والذنوبَ، كما يَنفي الكيرُ خَبَثَ الحديدِ والذهبِ والفضةِ] (رواه الترمذي وقال حسن صحيح)، [العمرةُ إلى العمرةِ كفارةٌ لما بينَهُما، والحجُ المبرورُ ليس له جزاءٌ إلا الجنةِ](متفق عليه).

الصلوات الخمس: ففي مسند الإمام أحمد عن أبي هريرة قال صلى الله عليه وسلم: [الصلاةُ المكتوبةُ إلى الصلاةِ التي بعدَها كفارةٌ لما بينهما](صححه الشيخ شاكر).. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أيضا قال عليه الصلاة والسلام: [أرأيتُم لو أن نهرًا بباب أحدِكم، يغتسل فيه كلَّ يوم خمسًا، ما تقول: ذلك يبقي من دَرَنه. قالوا: لا يُبقي من درنِه شيئًا، قال: فذلك مثلُ الصلواتِ الخمسِ، يمحو اللهُ بها الخطايا](متفق عليه).. وقال أيضا: [تحترقون تحترقون فإذا صليتم الصبح غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم الظهر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم العصر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم المغرب غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم العشاء غسلتها، ثم تنامون فلا يكتب عليكم حتى تستيقظوا](قال المنذري: حسن صحيح).

ثالثا: الحرص على الأعمال ذات الأجور المضاعفة:وهي أعمال تحتاج إلى معرفة فضل الأماكن، وفضل المواسم، وفضل الكلمات والأذكار.. وسوف أضرب لك مثلا تنسج أنت على منواله:
فمن الأماكن: المسجد الحرام: فصلاة في المسجد الحرام تعدل مائة ألف صلاة فيما سواه، وبحسبة بسيطة فإن صلاة واحدة فيه تعدل قرابة صلوات ستة وخمسين عاما.. ومن صلى هناك عشر ركعات كانت بأجر مليون ركعة في غيره وأما المسجدان النبوي والأقصى فإن الصلاة في الأول بألف صلاة وفي الثاني بخمسمائة صلاة.

وأما المواسم ففي عشر ذي الحجة، وفي رمضان، وفي ليلة القدر، والأخيرة العبادة فيها تكافئ العبادة في ثلاث وثمانين سنة تقريبا ليس فيها ليلة قدر.

وأما الكلمات والأذكار: فأعظم ما يذكر الله به كتابه، ولكن سوره تتفاضل؛ فسورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن، وسورة الكافرون تعدل ربع القرآن.. ففي صحيح مسلم من حديث أبي الدرداء قال عليه الصلاة والسلام: [أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلة ثلث القرآن؟ قالوا: وكيف يقرأ ثلث القرآن؟ قال {قل هو الله أحد}، يعدل ثلث القرآن]

وأما في التسبيح: فهناك أذكار قليلة تجمع ثوابا عظيما في وقت قليل.. فمن ذلك:
حديث جويرية بنت الحارث رضي الله عنها: [أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ خرج من عندِها بُكرةً حين صلى الصبحَ، وهي في مسجدِها. ثم رجع بعد أن أَضحَى، وهي جالسةٌ. فقال: ما زلتُ على الحالِ التي فارقتُكِ عليها؟ قالت: نعم. قال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ " لقد قلتُ بعدكِ أربعَ كلماتٍ، ثلاثَ مراتٍ. لو وُزِنَتْ بما قلتِ منذُ اليومَ لوزَنَتهنَّ: سبحان اللهِ وبحمدِه، عددَ خلقِه ورضَا نفسِه وزِنَةِ عرشِه ومِدادَ كلماتِه](رواه مسلم).

ومنها: حديث سعد بن أبي وقاص [أنَّه دخل مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على امرأةٍ وبين يدَيْها نوًى أو حصًى تُسبِّحُ به فقال أخبِرُك بما هو أيسرُ عليك من هذا أو أفضلُ فقال سبحانَ اللهِ عددَ ما خلق في السَّماءِ سبحانَ اللهِ عددَ ما خلق في الأرضِ سبحانَ اللهِ عددَ ما بين ذلك سبحانَ اللهِ عددَ ما هو خالقٌ واللهُ أكبرُ مثلُ ذلك والحمدُ للهِ مثلُ ذلك ولا إلهَ إلَّا اللهُ مثلُ ذلك ولا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا باللهِ مثلُ ذلك](صححه ابن حجر في الفتوحات الربانية).

ومنها: حديث أبي الدرداء رضي الله عنه قال: أبصرني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأنا أحرِّكُ شفتَي فقال يا أبا الدرداءِ ما تقولُ؟ قلت: أذكرُ اللهَ. قال: أفلا أعلِّمُك ما هو أفضلُ من ذكرِ اللهِ الليلَ معَ النهارِ والنهارَ معَ الليلِ؟ قلت: بلى. قال سبحانَ اللهِ عددَ ما خلق، سبحانَ اللهِ عددَ كلِّ شيءٍ، سبحانَ اللهِ ملءَ ما أحصَى كتابُه، والحمدُ للهِ عددَ ما خلق، والحمدُ للهِ ملءَ ما خلق، والحمدُ للهِ ملءَ ما أحصَى كتابُه].(حسنه ابن حجر)

ومنها أيضا: حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [من استغفر للمؤمنين وللمؤمنات، كتب الله له بكل مؤمن و مؤمنة حسنة](صحيح الجامع).

وكل هذه الأحاديث يجمعها قلة الكلمات، وسهولة الحفظ، وقلة الوقت، وعظم الأجر والثواب بحيث لا يأتي عليه العد.. فلم يبق إلا القبول.. نسأل الله أن يوفقنا ويتقبل منا ومن جميع المسلمين.

رابعا: الحرص على الأعمال التي يبقى أثرها بعد الموت:فهذا عمر زائد يضاف إلى عمر العبد فلا ينقطع ثوابه بمجرد وفاته، كما جاء في الحديث: [إذا مات الإنسانُ انقطع عنه عملُه إلا من ثلاثةٍ: إلا من صدقةٍ جاريةٍ. أو علمٍ ينتفعُ به. أو ولدٍ صالحٍ يدعو له](رواه مسلم).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علما علمه ونشره، وولدا صالحا تركه، أو مصحفا ورثه، أو مسجدا بناه، أو بيتا لابن السبيل بناه، أو نهرا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته](رواه المنذري وحسنه والألباني).

وأخيرا:بقي أن نقول إن نية المؤمن أفضل من عمله، والنوايا تحول العادات إلى عبادات، فيتحول الأكل والنوم والعمل بحسن النية إلى طاعة يثاب عليها صاحب النية دون غيره.. فالله الله في نواياكم، والله الله في أعمالك.. عسى أن يجعلنا الله ممن ثقلت موازينه فيكون من المفلحين.

المصدر  إسلام ويب

الجليس الصالح والجليس السوء

 الجليس الصالح والجليس السوء



جاءت نصوص الكتاب العزيز والسنة المطهرة بالحث على ملازمة الجلساء الصالحين، والتحذير من الجلساء الفاسدين؛ وذلك لما للرفقة والمجالسة من تأثير على الفرد في حياته وسلوكه، فإذا كانت الرفقة صالحة فإنها تقوده إلى الخير وتدله عليه، وإذا كانت سيئة فإنها ستقوده إلى الشر وتدله عليه.

وقد ضرب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مثلاً لتأثير الرفقة والمجالسة في حياة الإنسان وفكره ومنهجه وسلوكه فيما رواه عنه الصحابي الجليل أبو موسى الأشعري رضي الله عنه، حيث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّمَا مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالحِ والجَلِيسِ السّوءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِير، فَحَامِلُ الْمِسْكِ إمَّا أنْ يُحْذِيَكَ وَإِمَّا أنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً) متفق عليه.

غريب الحديث

يُحذِيَك: يُعطيك.
نافخ الكِير: الحداد الذي يصهر الحديد وينفخه فيتطاير الشرر.

شرح الحديث

اقتضت حكمة الله عز وجل في خلقه أن جعل الإنسان ميالاً بطبعه إلى مخالطة الآخرين ومجالستهم والاجتماع بهم، وهذه المجالسة لها أثرها الواضح فى فكر الإنسان ومنهجه وسلوكه، وربما كانت سبباً فعالاً في مصير الإنسان وسعادته الدنيوية والأخروية، وقد دل على ذلك الشرع والعقل والواقع.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إِنَّمَا مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالحِ والجَلِيسِ السّوءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِير، فَحَامِلُ الْمِسْكِ إمَّا أنْ يُحْذِيَكَ وَإِمَّا أنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً) شبّه النبي صلى الله عليه وسلم الجليس الصالح بحامل المسك أو الطّيب، إما أن يعطيَك مسكا أو طِيبا على سبيل الهدية أو أن تشتري منه، أو تجد منه ريحا طيبة، وكذلك الجليس الصالح فإنه يسد خلتك ويغفر زلتك ويقيل عثرتك ويستر عورتك، وإذا اتجهت إلى الخير حثك عليه ورغبك فيه، وبشرك بعاقبة المتقين وأجر العاملين وقام معك فيه، وإذا تكلمت سوءًا أو فعلت قبيحاً زجرك عنه، ومنعك منه، وحال بينك وبين ما تريد.

وأما الجليس السوء فإنه كنافخ الكير (إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً): أي كالحداد الذي يصهر الحديد وينفخه فيتطاير الشرر، فإما أن تحترق ثيابك أو تجد منه ريحا خبيثة؛ ولذا تجد الظالم يندم يوم القيامة ويأسف لمصاحبة من ضل وانحرف فكان سبباً فى ضلاله وانحرافه، يقول الله تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً} (الفرقان: 27-29).

وقد أحسن من قال:
عن المرء لا تسلْ وسلْ عـن قرينـه فـكـل قريـنٍ بـالـمقـارِن يقتـــــــــــدي
إذا كنت فـي قوم فصاحبْ خيارَهم ولا تصحبِ الأردى فتردَى معَ الرَّدِي

ومن أكثر المواقف التي سجلها التاريخ في تأثير الصحبة والمجالسة، ما رواه البخاريومسلم في صحيحيهما أنه لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد الله بن أمية بن المغيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي طالب: (يا عم قل لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله)، فقال أبو جهل وعبد الله بن أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعودان بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله، فتأمل كيف أثر هذان الجليسان على جليسهما وقرينهما الثالث؛ فصداه عن قول كلمة التوحيد التي لو قالها لحاجَّ له بها النبي صلى الله عليه وسلم عند ربه.

قال الحافظ ابن حجر: "وفي الحديث النهي عن مُجالسة من يُتأذّى بمجالسته في الدين والدنيا، والترغيب في مُجالسة من يُنتفع بمجالسته فيهما".

وقد حصر الإمام ابن القيم أنواع الأصدقاء فقال: "الأصدقاء ثلاثة، الأول: كالغذاء لا بد منه، والثاني: كالدواء يحتاج إليه وقت دون وقت، والثالث: كالداء لا يُحتاج إليه قط"، فالأول هو الجليس الصالح، والثالث هو الجليس السوء، والثاني هو الجليس الذي به بعض صفات السوء ولكن يُرتجى منه الخير.
ونختم بما ورد عن الإمام مالك بن دينار في شأن الصحبة وتأثيرها، حيث قال: "إنك إن تنقل الحجارة مع الأبرار خير من أن تأكل الخبيص مع الفجار".

المصدر  إسلام ويب